محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

644

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

السدّي وسعيد بن جبير هم منافقو المدينة ، وقال الحسن : يعني مشركي مكّة ؛ وهو قول الكلبي ومقاتل ؛ وقال عطاء عن ابن عبّاس : هم قريظة والنضير ومن كانوا حول المدينة من اليهود . ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها إلى مكّة ؛ والصحيح أنّ القبلة لمّا حوّلت تكلّم كلّ مخالف له في الدين بما يعيب عليه أمره ؛ فاليهود قد يئسوا منه ؛ إذ خالفهم في القبلة وأصرّوا على كفرهم به أشدّ الإصرار ؛ لأنّهم ينكرون النسخ غاية الإنكار ، والمشركون قد طمعوا فيه الرجوع إلى دين آبائهم ؛ ( 260 ب ) والمنافقون قالوا : أمره متزلزل لا ثبات له على أمر ولا إحكام له في فعل وقول ؛ و سَيَقُولُ لفظ ظاهره للمستقبل والقوم قائلون في الحال . قال ابن جرير أخبر اللّه تعالى نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - أنّ القوم سيقولون ذلك تسلية لقلبه وعلّمه الجواب قبل السؤال ؛ « والسفيه » الجاهل الذي لم يكمل عقله وخفّت نفسه . ما وَلَّاهُمْ : أيّ شيء صرفهم وحوّل وجوههم عن قبلتهم التي كانوا عليها يعني بيت المقدّس ، ومخرج « ما » استفهام على وجه الاستهزاء أو التعجيب ، والقبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي الفعلة من المقابلة ، وهي الحالة التي يقابل الشيء غيره كالجلسة للحالة التي يجلس عليها ، وإنّما استعملت القبلة في الشرع للجهة التي يقابلها المصلّي . ثمّ قال تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي هما للّه ملكا وملكا ، وله الحكم والأمر ؛ فله أن يصرف عباده عن جهة إلى جهة كما يشاء لا اعتراض عليه في حكمه وأمره ؛ وقيل : أراد بالمشرق الكعبة ؛ لأنّ المصلّي إذا كان بالمدينة وتوجّه إلى الكعبة فهو متوجّه إلى المشرق ، وإذا كان بمكّة وقد توجّه إلى بيت المقدّس فهو متوجّه إلى المغرب . يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي كلّ ما حكم به فهو صراطه المستقيم ؛ وقال ابن عبّاس : يعني دينه المستقيم وإنّما سمّاه مستقيما لأنّه يفضي به إلى الجنّة . وقصّة تحويل القبلة على اختلاف الروايات أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وأصحابه كانوا يصلّون إلى الكعبة حين كانوا بمكّة قبل الهجرة ؛ فلمّا هاجر إلى المدينة لليلتين مضتا من شهر ربيع الأوّل أمره اللّه تعالى أن يصلّي إلى صخرة بيت المقدّس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود ؛ فصلّى نحو المقدّس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان قد أمر الأنصار